الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
32
نفحات القرآن
3 - وأمّا ما يتعلّق بالحكومات الإلهيّة فقد وردت آيات قرآنية كثيرة تبحث ذلك ، يقول القرآن الكريم عن لسان داود : « قَالَ رَبِّ اغفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكاً لَّايَنبَغِى لِأَحَدِ مِّن بَعدِى إِنّكَ أَنْتَ الوَهّابُ » . ( ص / 35 ) ونتبيّن من الآيات التي تلت هذه الآية أنّ دُعاء سليمان عليه السلام كان قد استُجيبَ ووهبه اللَّه حكومة لم يسبق لها مثيل ، فقد كانت الرِيح تجري بأمره ، وسخَّرَ اللَّه له الشياطين والعفاريت ، وكان يستفيد حتى من الطيور في إنجاز بعض أعماله . ويقول القرآن الكريم متحدثاً عن آل إبراهيم : « فَقَد آتَينَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَآتَينَاهُم مُّلكاً عَظِيماً » . ( النساء / 54 ) وتشمل كلمة ( آل إبراهيم ) : بني إسرائيل ويوسف وداود وسليمان وغيرهم ) . ويذكر القرآن الكريم ( طالوت ) ، أحد ملوك بني إسرائيل المعروفين وعلى لسان نبيّ ذلك الزمان ( شموئيل ) قائلًا : « وَقَالَ لَهُم نَبيُّهُم إِنَّ اللَّهَ قَد بَعَثَ لَكُم طَالُوتَ مَلَكاً » . ( البقرة / 247 ) ويُقصَدُ بذلك أنّ هذه الهبة قد وهبها اللَّه سبحانه لطالوت . ولكن بني إسرائيل الذين لم يكونوا على علم واطّلاع كاملين بأمور الحكومة الإلهيّة ، عارضوا هذا الانتخاب واعتبروا أنفسهم أفضل منه لاستلام ذلك المنصب لأنّ طالوت كان رجلًا قروياً ، فلم يكن صاحب مال ولا عشيرة معروفة ، لكن نبيّهم رفع تلك الشبهة بقوله : « إِنَّ اللَّهَ اصطَفَاهُ عَلَيْكُم وَزَادَهُ بَسْطَةً فِى العِلْمِ وَالجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤتِى مُلكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ » . ( البقرة / 247 ) وقد أشير في سورة النساء إشارة واضحة إلى حكومة النبي صلى الله عليه وآله وآله بقوله : « أَم يَحسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضلِهِ فَقَد آتَينَا آلَ إِبرَاهِيمَ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَآتَينَاهُم مُّلكاً عَظِيماً » . ( النساء / 54 ) كانت تلك لمحة حول بعض أنواع الحكومات المذكورة في القرآن الكريم ، والآن نبدأ بنقد ودراسة كل نوع من تلك الحكومات الثلاث :